فصل: تفسير الآيات رقم (118- 120)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 105‏]‏

‏{‏لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏103‏)‏ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‏(‏104‏)‏ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار‏}‏ قال جمهور المفسرين معنى‏:‏ الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به‏.‏ وقال سعيد بن المسيب في تفسيره‏:‏ قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به‏.‏

‏(‏فصل‏)‏

تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا‏:‏ إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلاً، لأن الله أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلاً واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏}‏ ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏}‏ قال الشافعي رحمه الله‏:‏ حجب قوماً بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوماً يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى‏:‏ ‏{‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏}‏ وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى يوم القيامة‏.‏

وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب‏}‏» أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‏:‏ «أن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضامون في القمر ليلة البدر‏؟‏ قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب‏؟‏ قالوا لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه» كذلك أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن أناساً سألوا ولا في آخره ليس دونها سحاب‏.‏ عن أبي رزين العقيلي قال‏:‏ «قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ نعم قلت وما آية ذلك من خلقه‏؟‏ قال‏:‏ يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال‏:‏» فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله جل وأعظم «

أخرجه أبو داود وأما الدلائل العقلية، فقد احتج أهل السنة أيضاً بهذه الآية على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وتقريره، أنه تعالى تمدح بقوله لا تدركه الأبصار فلو لم يكن جائز الرؤية وتحقيق هذا أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية‏.‏ ثم إنه قدر على حجب الأبصار عنه كانت القدرة دالة على المدح والعظمة فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، لأن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الرؤية بقوله‏:‏ أرني أنظر إليك وذلك يدل على جواز الرؤية، إذ لا يسأل نبي مثل موسى ما لا يجوز ويمتنع وقد علق الله الرؤية على استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني‏.‏ استقرار الجبل جائز‏.‏ والمعلق على الجائز جائز‏.‏ وأما الجواب عن تمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية في نفي الرؤية، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والرؤية‏:‏ المعاينة للشيء من غير إحاطة‏.‏ وقد تكون الرؤية بغير إدراك كما قال تعالى في قصة موسى‏:‏ قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم ولكن قاربوا إدراكهم إياه فنفى موسى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله كلا والله تعالى يجوز أن يرى في الآخرة من غير إدراك ولا إحاطة لأن الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وهو ما كان محدوداً وله جهات والله تعالى منزه عن الحد والجهة لأنه القديم الذي لا نهاية لوجوده فعلى هذا أنه تعالى يرى ولا يدرك وقال قوم‏:‏ إن الآية مخصوصة بالدنيا‏.‏ قال ابن عباس في معنى الآية‏:‏ لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة وعلى هذا القول فلا فرق بين الإدراك والرؤية قالوا ويدل على هذا التخصيص قوله‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏}‏ فقوله‏:‏ ‏{‏يومئذ ناظرة‏}‏ مقيد بيوم القيامة على هذا يمكن الجمع بين الآيتين وقال السدي‏:‏ البصر بصران‏:‏ بصر معاينة وبصر علم فمعنى قوله ‏{‏لا تدركه الأبصار‏}‏ لا يدركه علم العلماء ونظيره ولا يحيطون به علماً هذا وجه حسن أيضاً والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو يدرك الأبصار‏}‏ يعني أنه تعالى يرى جميع المرئيات ويبصر جميع المبصرات لا يخفى عليه شيء منها ويعلم حقيقتها ومطلع على ماهيتها فهو تعالى لا تدركه أبصار المبصرين وهو يدركها ‏{‏وهو اللطيف الخبير‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ بأوليائه الخبير بهم‏.‏

وقال الزهري‏:‏ معنى اللطيف الرفيق بعباده‏.‏ وقيل هو الموصل الشيء إليك برفق ولين‏.‏ وقيل هو الذي ينسى عباده ذنوبهم لئلا يخجلوا وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء‏.‏ وقال أبو سليمان الخطابي‏:‏ اللطيف هو اللين بعباده يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويوصل إليهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ اللطيف في أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده‏.‏ وقيل‏:‏ هو اللطيف حيث لم يأمر عباده بفوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم‏.‏ وقيل‏:‏ هو اللطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ولم يقطع عنهم بره وإحسانه عند المعصية‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذي لطف عن أن تدركه الأبصار وهو يدركها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد جاءكم بصائر من ربكم‏}‏ البصائر‏:‏ جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به‏.‏ والمعنى‏:‏ قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل‏.‏ وقيل‏:‏ إن الآيات والبراهين ليست في أنفسها بصائر إلا أنها لقوّتها توجب البصائر لمن عرفها ووقف على حقائقها فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين أسباباً لحصول البصائر سميت بصائر ‏{‏فمن أبصر‏}‏ يعني فمن عرف الآيات واهتدى بها إلى الحق ‏{‏فلنفسه‏}‏ يعني فلنفسه أبصر ولها عمل لأنه يعود نفع ذلك عليه ‏{‏ومن عمي‏}‏ يعني ومن جهل ولم يعرف الآيات ولم يستدل بها إلى الطريق ‏{‏فعليها‏}‏ يعني فعلى نفسه عمى ولها ضر وكان وبال ذلك العمى عليه لأن الله تعالى غني عن خلقه ‏{‏وما أنا عليكم بحفيظ‏}‏ يعني وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم إنما أنا رسول من ربكم إليكم أبلغكم ما أرسلت به إليكم والله هو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم‏.‏ وقيل معناه لا أقدر أن أدفع عنكم ما يريده الله بكم وقيل معناه لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات السيف وعلى القول الأول ليست منسوخة والله أعلم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وكذلك نصرف الآيات‏}‏ يعني وكذلك نبين الآيات ونفصلها في كل وجه كما صرفناها وبينها من قبل ‏{‏وليقولوا درست‏}‏ يعني وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا درست‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لئلا يقولوا درست وقيل اللام فيه لام العاقبة ومعناه عاقبة أمرهم أن يقولوا درست يعني قرأت على غيرك‏.‏ يقال‏:‏ درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذلله للحفظ‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وليقولوا، يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست يعني تعلمت من يسار وجبر وكانا عبدين من سبي الروم ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله وقال الفراء‏:‏ معناه تعلمت من اليهود وقرئ دارست بالألف بمعنى قارأت أهل الكتاب من المدارسة التي هي بين اثنين يعني يقولون قرأت على أهل الكتاب وقرؤوا عليك وقرئ درست بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء ومعناه أن هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة فدرست وانمحت من قولهم فرس الأثر إذا محي وذهب أثره ‏{‏ولنبينه لقوم يعلمون‏}‏ يعني القرآن وقيل‏:‏ معناه نصرف الآيات لقوم يعلمون‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل‏:‏ معنى الآية وكذلك نصرف الآيات ليسعد بها قوم ويشفى بها آخرون فمن أعرض عنها وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «درست أو درست فهو شقي ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد» وقال أبو إسحاق‏:‏ إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا درست هو تلاوة الآيات عليهم وهذه اللام تسميها أهل اللغة لام الصيرورة يعني صار عاقبة أمرهم أن قالوا دارست فصار ذلك سبباً لشقاوتهم وفي هذا دليل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 108‏]‏

‏{‏اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏106‏)‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏107‏)‏ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتبع ما أوحي إليك من ربك‏}‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك وهو القرآن فاعمل به وبلغه إلى البادي ولا تلتفت إلى قول من يقول‏:‏ دارست أو درست‏.‏ وفي قوله اتبع ما أوحي إليك من ربك تعزية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن الذي حصل له بسبب قولهم درست ونبه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا إله إلا هو‏}‏ أنه سبحانه وتعالى واحد فرد صمد لا شريك له وإذا كان كذلك فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأعرض عن المشركين‏}‏ قيل‏:‏ المراد منه في الحال لا الدوام وإذا كان كذلك لم يكن النسخ وقيل‏:‏ المراد ترك مقالتهم فعلى هذا يكون الأمر بالإعراض منسوخة بآية القتال قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو شاء الله ما أشركوا‏}‏ قال الزجاج‏:‏ معناه لو شاء الله لجعلهم مؤمنين وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافاً للمعتزلة في قولهم لم يرد من أحد الكفر والشرك فالآية رد عليهم ‏{‏وما جعلناك عليهم حفيظاً‏}‏ يعني‏:‏ وما جعلناك يا محمد على هؤلاء المشركين رقيباً ولا حافظاً تحفظ عليهم أعمالهم‏.‏ وقال ابن عباس في رواية عطاء‏:‏ وما جعلناك عليهم حفيظاً تمنعهم منّا ومعناه إنك لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب وإنما بعثت مبلِّغاً فلا تهتهم بشركهم فإن ذلك بمشيئة الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنت عليهم بوكيل‏}‏ يعني وما أنت عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وما أنت عليهم بمسيطر، فعلى التفسير الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف وعلى قول ابن عباس‏:‏ لا تكون منسوخة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم‏}‏ الآية قال ابن عباس‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم‏}‏ قال المشركون يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدواً بغير علم وقال قتادة‏:‏ كان المؤمنون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله لأنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله عز وجل‏.‏ وقال السدي‏:‏ لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان عمه يمنعه فلما مات قتلوه‏.‏ فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبيّ ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن أبي البختري إلى أبي طالب، فقالوا‏:‏ يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه فدعاه جاء النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فقال له أبو طالب‏:‏ إن هؤلاء قومك وبنو عمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«وما يريدون»‏؟‏ قالوا‏:‏ نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك‏.‏ فقال له أبو طالب‏:‏ قد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم وأدت لكم الخراج‏؟‏ فقال أبو جهل نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي‏؟‏ فقال‏:‏ «قولوا لا إله إلا الله» «فأبوا ونفروا» فقال أبو طالب‏:‏ قل غيرها يا ابن أخي فقال‏:‏ «يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم» فقالوا‏:‏ لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك فأنزلت‏:‏ ‏{‏ولا تسبوا الذين تدعون من دون الله‏}‏ يعني ولا تسبوا أيها المؤمنون الأصنام التي يعبدها المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم يعني فيسبوا الله ظلماً بغير علم لأنهم جهلة بالله عز وجل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت عبدها المشركون‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ هذه الآية منسوخة أنزلها الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏.‏ وقيل إنما نهوا عن سب الأصنام وإن كان في سبها طاعة وهو مباح لما يترتب على ذلك من المفاسد التي هي أعظم من ذلك وهو سب الله عز وجل وسب رسوله وذلك من أعظم المفاسد فلذلك نهوا عن سب الأصنام وقيل لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا آلهتكم فيسبوا ربكم فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم فظاهر الآية وإن كان نهياً عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى لأنه سبب لذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك زينا لكل أمة عملهم‏}‏ يعني كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان كذلك زينا لكل أمه عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إلى ربهم مرجعهم‏}‏ يعني المؤمن والكافر والطائع والعاصي ‏{‏فينبئهم بما كانوا يعملون‏}‏ يعني في الدنيا ويجازيهم على ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏109‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏}‏ قال محمد بن كعب القرظي والكلبي‏:‏ قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كانت له عصاً يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى فأتنا بآية حتى نصدقك ونؤمن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أي شيء تحبون»‏؟‏ قالوا‏:‏ تجعل لنا الصفا ذهباً وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل‏؟‏ وأرنا الملائكة يشهدون لك‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقوني»‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم والله لئن فعلت لنتبعك أجمعون‏.‏ وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يدعو الله عز وجل أن يجعل الصفا ذهباً فجاءه جبريل فقال ما شئت أن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوك لنعذبهم وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل يتوب تائبهم» فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏}‏ يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها‏.‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه ‏{‏لئن جاءتهم آية‏}‏ يعني كما جاءت من قبلهم من الأمم ‏{‏ليؤمنن بها‏}‏ يعني ليصدقن بها ‏{‏قل‏}‏ يعني قل يا محمد ‏{‏إنما الآيات عند الله‏}‏ يعني أن الله تعالى قادر على إنزالها روما يشعركم‏}‏ يعني‏:‏ وما يدريكم‏.‏ ثم اختلف في المخاطبين بقوله وما يشعركم فقيل هو خطاب للمشركين الذين أقسموا بالله وقيل هو خطاب للمؤمنين واختلفوا في قوله ‏{‏أنها إذا جاءت لا يؤمنون‏}‏ فقرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصي إنها بكسر الألف على الابتداء وقالوا تم الكلام عند قوله وما يشعروكم على معنى وما يدريكم ما يكون منهم ثم ابتداء فقال‏:‏ ‏{‏إنها إذا جاءت لا يؤمنون‏}‏ فمن جعل الخطاب للمشركين قال معناه وما يشعركم أيها المشركون أنها يعني الآيات إنها إذا جاءت آمنتم‏.‏ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه وما يشعركم أيها المؤمنون إذا جاءت آمنوا لأن المؤمنين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏وما يشعركم‏}‏ ثم ابتدأ فقال تعالى إنها‏:‏ ‏{‏إذا جاءت لا يؤمنون‏}‏ وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عز وجل عليهم بأنهم لا يؤمنون وذلك لسابق علمه فيهم وقرأ الباقون أنها بفتح الألف وجعلوا الخطاب في ذلك للمؤمنين لأن المؤمنين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات حتى يؤمن المشركون بها إذا رؤوها لأن المشركين كانوا حلفوا أنهم إذا جاءتهم آية آمنوا وصدقوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات لذلك فقال الله تعالى‏:‏ وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فعلى هذا اختلفوا في لفظة لا من قوله لا يؤمنون فقيل هي صلة والمعنى وما يشعركم إنها إذا جاءت يؤمنون وقيل هي على بابها وفيه حذف والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءتهم يؤمنون أو لا يؤمنون وقيل إن بمعنى لعل في قوله إنها إذا جاءت وكذلك هو في قراءة أبيّ بن كعب لعلها إذا جاءت وهذا سائغ في كلام العرب تقول العرب‏:‏ أئت السوق أنك تشتري لنا شيئاً، بمعنى لعلك ومنه قول عدي بن زيد‏:‏

أعاذل ما يدريك أن منيتي *** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد

يعني لعل منيتي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 111‏]‏

‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏110‏)‏ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني ونحول بينهم وبين الإيمان فلو جئناهم بالآيات التي سألوها لما آمنوا بها‏.‏ والتقليب هو تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر لأن الله تعالى إذا صرف القلوب والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر ‏{‏كما لم يؤمنوا به أول مرة‏}‏ يعني كما لم يؤمنوا بما قبل ذلك من الآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وقيل‏:‏ أول مرة يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ المرة الأولى دار الدنيا يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم وفي الآية دليل على أن الله تعالى‏:‏ ‏{‏يهدي من يشاء ويضل من يشاء‏}‏ وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه فيقيم ما شاء منها ويزيغ ما أراد منها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فمعنى قوله بقلب أفئدتهم نزيغها عن الإيمان ونقلب أبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة الصواب وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فعلى هذا تكون الكناية في به عائدة على الإيمان بالقرآن وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونذرهم في طغيانهم يعمهون‏}‏ يعني ونترك هؤلاء المشركين الذين سبق علم الله أنهم لا يؤمنون في تمردهم على الله واعتدائهم عيله يترددون لا يهتدون إلى الحق‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ نزلت في المستهزئين، وذلك أنهم أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فقالوا‏:‏ يا محمد ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل وأرنا الملائكة يشهدن لك أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً فنزلت هذه الآية جواباً لهم‏.‏ والمعنى‏:‏ ولو أنا نزلنا إليهم الملائكة حتى يشهدوا لك بالرسالة ‏{‏وكلمهم الموتى‏}‏ يعني كما سألوا ‏{‏وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً‏}‏ يعني وجمعنا عليهم كل شيء قبلاً قبيلاً، قيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول ما آمنوا وهو قوله‏:‏ ‏{‏ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله‏}‏ يعني إلا أن يشاء الله الإيمان منهم وفيه دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان والكفر، وموضع المعجزة أن الأشياء المحشورة منها ناطق ومنها صامت فإذا أنطق الله الكل حتى يشهدوا له بصحة ما يقول كان ذلك في غاية الإعجاز‏.‏

وقيل قبلاً من المقابلة والمواجهة، والمعنى‏:‏ وحشرنا عليهم كل شيء مواجهة ومعاينة ‏{‏ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله‏}‏ أخبر الله أن الإيمان بمشيئة الله لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا لم يؤمنوا، وقال ابن عباس‏:‏ ما كانوا ليؤمنوا هم أهل الشقاء إلا أن يشاء الله هم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان‏.‏ وصحح الطبري قول ابن عباس قال‏:‏ لأن الله عم بقوله ما كانوا ليؤمنوا القوم الذين تقدم ذكرهم في قوله‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها‏}‏ ثم استثنى منهم أهل السعادة وهم الذين شاء لهم الإيمان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن أكثرهم يجهلون‏}‏ يعني يجهلون أن ذلك كذلك ويحسبون أن الإيمان إليهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس الأمر كذلك بل الإيمان والكفر بمشيئة الله تعالى فمن شاء له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وفي هذا دليل لمذهب أهل السنة أن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى ورد على القدرية والمعتزلة في قوله‏:‏ إن الله أراد الإيمان من جميع الكفار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏112‏)‏ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً‏}‏ قيل هو منسوق على قوله تعالى كذلك زينّا لكل أمة عملهم، أي كما فعلنا ذلك كذلك جعلنا لكل نبي عدواً‏.‏ وقيل‏:‏ معناه كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء كذلك جعلنا لك أعداء وفيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدواً ليعظم ثوابه على ما يكابده من أذى أعدائه وعدو واحد يراد به الجمع يعني جعلنا لكل نبي أعداء ‏{‏شياطين الإنس والجن‏}‏ اختلف العلماء في معنى شياطين الإنس والجن على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مجاهد وقتادة‏.‏ قالوا‏:‏ وشياطين الإنس أشد تمرداً من شياطين الجن لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تعوذب بالله من شيطان الجن والإنس قلت يا رسول الله وهل للإنس من شيطان‏؟‏ قال نعم هم شر من شياطين الجن» ذكره البغوي بغير سند وأسنده الطبري‏.‏ وقال مالك بن دينار‏:‏ إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي‏.‏

القول الثاني‏:‏ إن الجميع من ولد إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى أنهم يغوونهم، وهذا قول عكرمة والضحاك والكلبي والسدي‏.‏ ورواية عن ابن عباس قالوا‏:‏ والمراد بشياطين الإنس التي مع الإنس وبشياطين الجن التي مع الجن وذلك أن إبليس قسم جنده قسمين فبعث فريقاً منهم إلى الجن وفريقاً إلى الإنس فالفريقان شياطين الجن والإنس بمعنى أنهم يغوونهم ويضلّونهم وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأولياءه من المؤمنين والصالحين‏.‏ ومن ذهب إلى هذا القول قال‏:‏ يدل على صحته أن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن والإضافة تقتضي المغايرة فعلى هذا يكون في الشياطين نوع مغاير للإنس والجن وهم أولاد إبليس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوحي بعضهم إلى بعض‏}‏ يعني يلقي ويسرّ بعضهم إلى بعض ويناجي بعضهم بعضاً وهو الوسوسة التي يلقيها إلى من يريد إغوائه، فعلى القول الأول‏:‏ إن شياطين الإنس والجن يسر بعضهم إلى بعض ما يفتنون به المؤمنين والصالحين، وعلى القول الثاني‏:‏ إن أولاد إبليس يلقى بعضهم بعضاً في كل حين فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضلَّ أنت صاحبك بمثله ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك وحي بعضهم إلى بعض‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏زخرف القول‏}‏ يعني باطل القول والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف ‏{‏غروراً‏}‏ يعني أن الشياطين يغرون بذلك القول الكذب المزخرف غروراً وذلك أن الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم بها غروراً ‏{‏ولو شاء ربك ما فعلوه‏}‏ يعني ما فعلوا الوسوسة التي يلقيها الشياطين في قلوب بني آدم، والمعنى أن الله تعالى لو شاء لمنعَ الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن ولكن الله يمتحن من يشاء من عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر على المحنة ‏{‏فذرهم وما يفترون‏}‏ يعني فخلِّهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي فإني من ورائهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ولتميل إليه وأصل الصغو في اللغة الميل، أصغى إلى كذا مال إليه‏.‏ ويقال صغوت أصغو وصغيت أصغى لغتان‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ اللام في ولتصغى متعلقة بفعل مضمر معناه وفعلنا بهم ذلك لكي تصغي إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وقال غيره اللام متعلقة بيوحي تقديره ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول، ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به وهو قوله‏:‏ ‏{‏وليرضوه‏}‏ يعني يرضون ذلك القول المزخرف الباطل ‏{‏وليقترفوا ما هم مقترفون‏}‏ وليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 117‏]‏

‏{‏أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏114‏)‏ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏115‏)‏ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏116‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أفغير الله أبتغي حكماً‏}‏ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أفغير الله أطلب حكاً قاضياً يقضي بيني وبينكم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكماً، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بهذا الجواب والحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل المعاني قال‏:‏ الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم من شأنه أن يحكم والحكم أهل أن يتحاكم إليه وهو الذي لا يحكم إلا بالحق فالله تعالى حكم لا يحكم إلا بالحق فلما أنزل الله على محمد القرآن فقد حكم له بالنبوة وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً‏}‏ يعني علماء اليهود والنصارى ‏{‏يعلمون أنه منزل من ربك بالحق‏}‏ يعني يشهدون أن هذا القرآن منزل من عند الله وذلك لما ثبت عندهم بالدلائل الدالة على ذلك، وقيل المراد بهم علماء الصحابة ورؤساؤهم مثل‏:‏ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونظرائهم يعلمون أن هذا القرآن منزل من ربك بالحق فآمنوا به وصدقوه ‏{‏فلا تكونن من الممترين‏}‏ يعني فلا تكونن يا محمد من الشاكّين أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله وقيل‏:‏ معناه فلا تكونن في شك مما قصصنا عليك أنه حق وصدق فهو من باب التهييج لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط، وقيل‏:‏ الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به غيره‏.‏ والمعنى‏:‏ فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن في شك أنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك‏}‏ وقرئ كلمات ربك على الجمع فمن قرأ على التوحيد قال‏:‏ الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد كقولهم قال الشاعر في كلمته يعني في قصيدته، وكذلك القرآن كلمة واحدة لأنه شيء واحد في إعجاز النظم وكونه حقاً وصدقاً ومعجزاً ومن قرأ بالجمع قال لأن الله قال في سياق الآية ‏{‏لا مبدل لكلماته‏}‏ فوجب الجمع في اللفظ الأول إتباعاً للثاني ‏{‏صدقاً وعدلاً‏}‏ يعني صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما حكم وقيل إن القرآن مشتمل على الأخبار والأحكام فهو صادق فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية وعما هو كائن إلى قيام الساعة‏.‏ وفيما أخبر عن ثواب المطيع في الجنة وعقاب العاصي في النار وهو عدل فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر الأحكام ‏{‏لا مبدل لكلماته‏}‏ يعني لا مغير لقضائه ولا رادّ لحكمه ولا خلف لمواعيده، وقيل‏:‏ لما وصف كلماته بالتمام في قوله وتمت كلمة ربك والتمام في كلام الله لا يقبل النقص والتغيير والتبديل‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا مبدل لكلماته‏}‏ لأنها مصونة عن التحريف والتغيير والتبديل باقية إلى يوم القيامة وفي قوله‏:‏ ‏{‏لا مبدل لكلماته‏}‏ دليل على أن السعيد لا ينقلب شقياً ولا الشقي ينقلب سعيداً، فالسعيد من سعدَ في الأزل والشقي من شقيّ في الأزل وأورد على هذا أن الكافر يكون شقياً بكفره فيسلم فينقلب سعيداً بإسلامه وأجيب عنه بأن الاعتبار بالخاتمة فمن ختم له بالسعادة كان قد كتب سعيداً في الأزل ومن ختم له بالشقاوة كان شقياً في الأزل والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو السميع‏}‏ يعني لما يقول العباد ‏{‏العليم‏}‏ بأحوالهم قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله‏}‏ قال المفسرون إن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة وذلك أنهم قالوا للمسلمين كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلوا ما قتل ربكم‏؟‏ فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ وإن تطع أكثر من في الرض في أكل الميتة، وكان الكفار يومئذ أكثر أهل الأرض يضلوك عن سبيل الله، يعني يضلوك عن دين الله الذي شرعه لك وبعثك به وقيل معناه لا تطعهم في معتقداتهم الباطلة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله يعني يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم أخبر عن حال الكفار وما هم عليه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يتبعون إلا الظن‏}‏ يعني أن هؤلاء الكفار الذين يجادلونك ما يتبعون في دينهم الذي هم عيله إلا الظن وليسوا على بصيرة وحق في دينهم وليسوا بقاطعين أنهم على حق لأنهم اتبعوا أهواءهم وتركوا التماس الصواب والحق واقتصروا على اتباع الظن والجهل ‏{‏وإن هم إلا يخرصون‏}‏ يعني يكذبون وأصل الخرص الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة إذا حزر كمية ثمرتها على الظن من غير يقين ويسمى الكذب خرصاً لما يدخله من الظنون الكاذبة وقيل‏:‏ إن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص لأن قائله لم يقله عن علم ويقين ‏{‏إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله‏}‏ يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا محمد إن ربك هو أعلم منك ومن جميع خلقه أيّ الناس يضل عن سبيله ‏{‏وهو أعلم بالمهتدين‏}‏ يعني وهو أعلم أيضاً من كان على هدى واستقامة وسداد ولا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه فأخبر تعالى أنه أعلم بالفريقين الضال والمهتدي وأنه يجازي كلاًّ بما يستحق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 120‏]‏

‏{‏فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ‏(‏118‏)‏ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ‏(‏119‏)‏ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ‏(‏120‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكلوا مما ذكر اسم الله عليه‏}‏ هذا جواب لقول المشركين حيث قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم‏؟‏ فقال الله تعالى للمسلمين فكلوا أنتم ما ذكر اسم الله عليه من الذبائح‏:‏ ‏{‏إن كنتم بآياته مؤمنين‏}‏ وقيل كانوا يحرمون أصنافاً من النعم ويحلون الميتة فقيل‏:‏ أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، فعلى هذا القول تكون الآية خطاباً للمشركين‏.‏

وعلى القول الأول تكون الآية خطاباً للمسلمين وهو الأصح لقوله في آخر الآية‏:‏ ‏{‏إن كنتم بآياته مؤمنين‏}‏ ‏{‏وما لكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه‏}‏ يعني وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا وما يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره‏:‏ ‏{‏وقد فصل لكم ما حرم عليكم‏}‏ يعني وقد بين لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون‏.‏ وقال جمهور المفسرين‏:‏ المراد بقوله وقد فصل لكم ما حرم عليكم المحرمات المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به‏}‏ وأورد الإمام فخر الدين الرازي ها هنا إشكالاً فقال‏:‏ في سورة الأنعام مكية وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، وقد فصل يجب أن يكون ذلك المفصل متقدماً على هذا المحل والمدني متأخر على المكي فيمتنع كونه متقدماً ثم قال بل الأولى أن يقال قوله تعالى بعد هذه الآية ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير‏}‏ وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من المتأخر لا يمنع أن يكون هو المراد قال كاتبه ولما ذكره المفسرون وجه وهو أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏ الآية والله أعلم بمراده‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما اضررتم إليه‏}‏ يعني إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة فيباح لكم ذلك عند الاضطرار ‏{‏وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم‏}‏ يعني وإن كثيراً من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم أتأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما يذبحه الله، وإنما قالوا هذه المقالة جهلاً منهم بغير علم منهم بصحة ما يقولون بل يتبعون أهواءهم ليضلوا أنفسهم وأتباعهم بذلك‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من بحرَ البحائر وسيَّب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم عليه السلام ‏{‏إن ربك هو أعلم بالمعتدين‏}‏ يعني إن ربك يا محمد هو أعلم بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فهو يجازيهم على سوء صنيعهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وذروا ظاهر الإثم وباطنه‏}‏ يعني وذروا أيها الناس ما يوجب الإثم وهي الذنوب والمعاصي كلها سرها وعلانيتها قليلها وكثيرها، قال الربيع بن أنس‏:‏ نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه أن يعمل به سراً وعلانية وقال سعيد بن جبير‏:‏ في هذه الآية الظاهر منه قوله‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف‏}‏ ونكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات والباطن الزنا، وقال السدي‏:‏ أما الظاهر فالزواني في الحوانيت وهنَّ أصحاب الرايات‏.‏

وأما الباطن فالمرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سراً، وقال الضحاك‏:‏ كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون أن ذلك حلالاً ما كان سراً فحرم الله السر منه والعلانية، وقال ابن زيد‏:‏ ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف والباطن الزنا، وقال الكلبي‏:‏ ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهاراً عراة وباطنه طواف النساء بالليل عراة وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك إلى أن جاء الإسلام فنهى الله عن ذلك كله‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذا النهي عام في جميع المحرمات التي نهى الله عنها وهو الأصح لأن تخصيص العام بصورة معينة من غير دليل لا يجوز، فعلى هذا القول يكون معنى الآية وذروا ما أعلنتم به وما أسررتم من الذنوب كلها، قال ابن الأنباري‏:‏ وذروا الإثم من جميع جهاته‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بظاهر الإثم الإقدام على الذنوب من غير مبالاة وباطنه ترك الذنوب لخوف الله عز وجل لا خوف الناس وقيل المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وباطنه أفعال القلوب فيدخل في ذلك الحسد والكبر والعجب إرادة السوء للمسلمين ونحو ذلك‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الذين يكسبون الإثم‏}‏ يعني إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه ويرتكبون ما حرم عليهم من المعاصي وغيرها ‏{‏سيجزون‏}‏ يعني في الآخرة ‏{‏بما كانوا يقترفون‏}‏ يعني بما كانوا يسكبون في الدنيا من الآثام وظاهر هذا النص يدل على عقاب المذنب أنه مخصوص بمن لم يتب لأن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب العبد من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وزاد أهل السنة في ذلك، فقالوا‏:‏ المذنب إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه‏}‏ قال بن عباس‏:‏ الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام اه‏.‏

‏(‏فصل‏)‏

اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عامداً أو ناسياً‏:‏ وهو قول ابن سيرين والشعبي ونقله الإمام فخر الدين الرازي عن مالك، ونقل عن عطاء أنه قال‏:‏ كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام‏.‏

احتجوا في ذلك بظاهر هذه الآية‏.‏ وقال الثوري وأبو حنيفة‏:‏ إن ترك التسمية عامداً لا تحل وإن تركها ناسياً تحل‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ تحل الذبيحة سواء ترك التسمية عامداً أو ناسياً، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين‏:‏ فيما إذا ترك التسمية عامداً وإن تركها ناسياً حلت فمن أباح أكل الذبحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال‏:‏ المراد من الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام بدليل أنه قال تعالى في سياق الآية ‏{‏وإنه لفسق‏}‏ وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي تُرك التسمية عليها لا يفسق واحتجوا أيضاً في إباحتها بما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ قلت يا رسول الله إن هنا أقواماً حديثاً عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فما ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا قال «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» قالوا لو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح وقول الشافعي في أول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة غلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة وهي قوله وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم أنكم لمشركون علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص والفسق ذكر اسم غير الله في الذبح ما قال في آخر السورة ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ إلى قوله ‏{‏أو فسق أهل لغير الله به‏}‏ فصار هذا الفسق الذي أهلّ لغير الله به مفسراً لقوله ‏{‏وإنه لفسق‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 122‏]‏

‏{‏وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ‏(‏121‏)‏ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق‏}‏ مخصوصاً بما ‏{‏أهلَّ لغير الله به‏}‏ والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم‏}‏ يعني أن الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم ويخاصمون محمداً صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها فقال‏:‏ الله قتلها قالوا فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله عز وجلّ هذه الآية، وقال عكرمة‏:‏ لما نزلت هذه الآية في تحريم الميتة كتبت فارس، وهم المجوس، إلى مشركي قريش أنْ خاصموا محمداً وقولوا له إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبحه الله فهو حرام فأنزل الله‏:‏ وأن الشياطين، يعني مردة الإنس وهم المجوس، ليوحون إلى أوليائهم، يعني مشركي قريش، وكان فارس والعرب مولاة ومكاتبة على الروم، فعلى هذا يكون المراد بالوحي المكاتبة في خفية ‏{‏وإن أطعتموهم‏}‏ يعني في أكل الميتة، وما حرم الله عليكم ‏{‏إنكم لمشركون‏}‏ يعني أنكم إذاً مثلهم في الشرك، قال الزجاج‏:‏ فيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك إنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً غير الله عز وجل ومن كان كذلك فهو مشرك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أو من كان ميتاً فأحييناه‏}‏ يعني أو من كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبهه بالحياة ‏{‏وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس‏}‏ يعني وجعلنا له نوراً يستضيء به في الناس ويهتدي به إلى قصد السبيل، قيل‏:‏ النور هو الإسلام لأنه يخلص من ظلمات الكفر لقوله‏:‏ يخرجهم من الظلمات إلى النور‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هو كتاب الله القرآن لأنه بينة من الله مع المؤمنين بما يعمله ‏{‏كمن مثله في الظلمات‏}‏ يعني كمن هو في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة ‏{‏ليس بخارج منها‏}‏ يعني من تلك الظلمات وهذا مثل ضربه الله تعالى لحال المؤمن والكافر فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فأحياه وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها فيكون متحيراً على الدوام، ثم اختلف المفسرون في هذين المثالين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو هما عامّان في كل مؤمن وكافر‏؟‏ فذكروا في ذلك قولين‏:‏ أحدهما أن الآية في رجلين معينين ثم اختلفوا فيهما فقال ابن عباس في قوله وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس يريد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كمن مثله في الظلمات يريد بذلك أن أبا جهل بن هشام وذلك أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول‏:‏ يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفَّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا‏؟‏ فقال حمزة‏:‏ ومن أسفه منكم عقولاً تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فأسلم حمزة يومئذ فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل‏.‏ وقال عكرمة والكلبي‏:‏ نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل‏:‏ نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أن أبا جهل قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن حتى يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية‏.‏

والقول الثاني‏:‏ وهو قول الحسن في آخرين أن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر وهذا هو الصحيح لأن المعنى إذا كان حاصلاً في الكل دخل فيه كل أحد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون‏}‏ قال أهل السنة، المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله زينّا لهم أعمالهم ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصوله لا يكون إلا بخلق الله تعالى فدل ذلك على أن المزين هو الله تعالى، وقالت المعتزلة المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 124‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏123‏)‏ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها‏}‏ يعني وكما جعلنا في مكة أكابر، وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء، وقيل‏:‏ هو معطوف على ما قبله‏.‏ ومعناه‏:‏ كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية أكابر جمع الأكبر ولا يجوز أن يكون مضافاً لأنه لا يتم المعنى في بل الآية تقديم وتأخير تقديره‏:‏ وكذلك جعلنا كل قرية أكابر «مجرميها» وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فسَّاقهم أكابرهم ‏{‏ليمكروا فيها‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ المكر، الخديعة والحيلة والغدر والفجور‏.‏ زاد بعضهم والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه ليقولوا فيها الكذب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولوا هو كذاب ساحر كاهن فكان هذا مكرهم ‏{‏وما يمكرون إلا بأنفسهم‏}‏ يعني ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم يعود عليهم ‏{‏وما يشعرون‏}‏ يعني أن وبال ذلك المكر يعود عليهم ويضرهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله‏}‏ يعني النبوة وذلك أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبداً إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فأنزل الله هذه الآية‏.‏ وإذا جاءتهم آية، يعني حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قالوا‏:‏ يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام أو كل واحد من رؤساء الكفر ويدل عليه الآية التي قبلها وهي قوله وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فكان من مكر كفار قريش أن قالوا لن نؤمن لك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني النبوة وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسداً منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وفي قولهم لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ وهو المشهور أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين‏.‏

القول الثاني‏:‏ وهو قول الحسن ومنقول عن ابن عباس أن المعنى‏:‏ وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ لن نؤمن لك يعني لن نصدقك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل بصدقك بأنك رسول الله، فعلى هذا القول لم يطلبوا النبوة وإنما طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله تعالى‏.‏

وعلى القول الأول أنهم طلبوا أن يكونوا أنبياء ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله أعلم حيث يجعل رسالاته‏}‏ يعني أنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها من ليس بأهل لها، وأنتم لستم لها بأهل وأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصاً لمن عنده حسد ومكر وغدر‏.‏ وقال أهل المعاني‏:‏ الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعثة مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال إنما كانوا رؤساء مطاعين فاتبعهم قومهم لأجل ذلك فكان الله تعالى أعلم بمن يستحق الرسالة فجعلها ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وغيرهما من أكابر قريش ورؤسائها وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيصيب الذين أجرموا صَغار‏}‏ أي ذلة وهوان‏.‏ وقيل الصغار هو الذل الذي تصغر إلى المرء نفسه فيه ‏{‏عند الله‏}‏ يعني هذا من عند الله وقيل إن هذا الصغار ثابت لهم عند الله فعلى هذا القول إنما يحصل لهم الصغار في الآخرة وقيل معناه سيصيبهم صغار بحكم الله حكم به عليهم في الدنيا ‏{‏وعذاب شديد‏}‏ يعني في الآخرة ‏{‏بما كانوا يمكرون‏}‏ يعني إنما حصل لهم هذا الصغار والعذاب بسبب مكرهم وحسدهم وطلبهم ما لا يستحقون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏125‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام‏}‏ أي الإيمان‏.‏ يقال‏:‏ شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول الإيمان والخير فتوسع وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر مال بطبعه إليه وقويت رغبته فيه فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر‏.‏ وقيل الشرح الفتح والبين ويقال شرح فلان أمره إذا‏:‏ أوضحه وأظهره‏.‏ وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فأوضحها وبينها فقد ثبت أن للشرح معنين‏:‏

أحدهما‏:‏ الفتح ومنه يقال شرح الكافر بالكفر صدراً أي فتحه لقبوله ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن من شرح بالكفر صدراً‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أفمن شرح الله صدره للإسلام‏}‏ يعني فتحه ووسعه لقبوله‏.‏

والثاني‏:‏ أن الشرح نور يقذفه الله في قلب العبد فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له ومعنى الآية‏:‏ ‏{‏فمن يرد الله أن يهديه للإيمان بالله‏}‏ وبرسوله وبما جاء به من عنده يوفقه له ويشرح صدره، لقبوله ويهونه عليه ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به وإحسانه إليه فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه فيضيء به ويتسع له صدره ولما نزلت هذه الآية سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال «نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح» قيل فهل لذلك أمارة قال‏:‏ «نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» وأسنده الطبري عن ابن مسعود قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه هذه الآية‏:‏ ‏{‏فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام‏}‏ قال «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» قالوا فهل لذلك من آية يعرف بها‏؟‏ قال‏:‏ «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت»

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يرد‏}‏ أي الله ‏{‏أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً‏}‏ يعني يجعل صدره ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي‏:‏ ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن عباس‏:‏ إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك‏.‏ وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية وعنده أعرابي من كنانة فقال له‏:‏ ما الحرجة فيكم‏؟‏ قال‏:‏ الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر‏:‏ كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير‏.‏ وأصل الحرج الضيق وهو مأخوذ من الحرجة وهي الأشجار الملتف بعضها على بعض حتى لا يصل إليه شيء‏.‏ وقرأ ابن عباس هذه الآية فقال‏:‏ هل هنا أحد من بني بكر‏؟‏ قال رجل‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ما الحرجة فيكم‏؟‏ قال‏:‏ الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق فيه، فقال ابن عباس‏:‏ كذلك قلب الكافر‏.‏

قال أهل المعاني‏:‏ لما كان القلب محلاً للعلوم والاعتقادات وصف الله تعالى قلب من يريد هدايته بالإنشراح والانفساح ونوره فقبل ما أودعه من الإيمان بالله ورسوله ووصف قلب من يريد ضلالته بالضيق الذي هو خلاف الشرح والانفساح فدل ذلك على أن الله تعالى صير قلب الكافر بحيث لا يعي علماً ولا استدلالاً على توحيد الله تعالى والإيمان به وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأنما يصعد في السماء‏}‏ يعني أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر على ذلك، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء نبواً عن الإسلام وتكبراً، وقيل‏:‏ ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى الماء وليس يقدر على ذلك، وقيل‏:‏ هو من المشقة وصعوبة الأمر فيكون المعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام فإنه يتكلف مشقة وصعوبة في ذلك كمن يتكلف إلى السماء وليس يقدر على ذلك ‏{‏كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون‏}‏ الكاف في كذلك تفيد التشبيه وفيه وجهان‏:‏

الأول معناه أن جعله الرجس عليهم كجعله صدورهم ضيقة حرجة والمعنى كما جعلنا صدورهم ضيقة حرجة كذلك يجعل الله الرجس عليهم‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ قال الزجاج‏:‏ أي مثل ما قصصنا عليك كذلك يجعل الله الرجس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الرجس الشيطان أي فيسلطه الله عليهم، وقال مجاهد‏:‏ الرجس ما لا خير فيه‏.‏ وفي رواية عن ابن عباس أن الرجس العذاب، وقال الزجاج‏:‏ الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 128‏]‏

‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏127‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏128‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وهذا صراط ربك مستقيماً‏}‏ يعني وهذا الذي بيَّنّا لك يا محمد في هذه السورة وغيرها من سور القرآن هو صراط ربك يعني دينه الذي شرعه لعباده ورضيه لنفسه وجعله مستقيماً لا اعوجاج فيه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ في قوله وهذا صراط ربك مستقيماً يعني الإسلام، وقال ابن مسعود‏:‏ يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد ‏{‏قد فصلنا الآيات‏}‏ يعني قد فصلنا آيات القرآن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب والحلال والحرام والأمر والنهي وغير ذلك من أحكام القرآن ‏{‏لقوم يذكرون‏}‏ يعني لمن يتذكر بها ويتعظ بما فيها من المواعظ والعبر‏.‏

قال عطاء‏:‏ يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان ‏{‏لهم دار السلام عند ربهم‏}‏ يعني الجنة في قول جميع المفسرين‏.‏ قال الحسن والسدي‏:‏ السلام هو الله تعالى وداره الجنة‏.‏ معنى السلام في أسماء الله تعالى ذو السلام وهو جمع سلامة لأنه تعالى ذو السلامة من جميع الآفات والنقائص فعلى هذا القول أضيفت الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى إضافة تشريف وتعظيم كما قيل للكعبة بيت الله وللنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله في قوله ‏{‏وأنه لما قام عبد الله يدعوه‏}‏ واحتج لصحة هذا بأن في إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية تشريفها وتعظيمها فكان ذكر الإضافة مبالغة في تعظيم أمرها‏.‏ وقيل إن السلام صفة للدار لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع فعلى هذا يكون السلام بمعنى السلامة كأنه قال دار السلامة التي لا يلقون فيها شيئاً يكرهونه‏.‏ وقيل سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة كما قال تعالى في وصفها ‏{‏ادخلوها بسلام آمنين والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم‏}‏ وقال ‏{‏تحيتهم فيها سلام‏}‏ وقال ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ‏{‏لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً‏}‏ وقوله ‏{‏عند ربهم‏}‏ يعني أن الجنة معدة مهيأة لهم عند ربهم حتى يوصلهم إليها ‏{‏وهو وليهم بما كانوا يعملون‏}‏ يعني أنه تعلى يتولى أمرهم وإيصال المنافع إليهم ويدفع المضار عنهم‏.‏ وقيل معناه أنه يتولاهم في الدنيا بالتوفيق والهداية وفي الآخرة بالجزاء والجنة‏.‏ وقيل‏:‏ الولي هو الناصر والقريب يعني أنه تعالى ينصرهم في الدنيا ويقربهم في الآخرة بسبب أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم جميعاً‏}‏ أي اذكر يا محمد يوم نحشر المعادلين بالله الأصنام مع أوليائهم من الشياطين يعني نحشر المشركين والشياطين جميعاً يوم القيامة ‏{‏يا معشر الجن‏}‏ فيه حذف تقديره يقول لهم يا معشر الجن والمعشر الجماعة والمراد من الجن الشياطين ‏{‏قد استكثرتم من الإنس‏}‏ يعني من إضلالهم وإغوائهم وقال ابن عباس‏:‏ معناه أضللتم كثيراً من الإنس وهذا التفسر لا بد له من تأويل آخر لأن الجن لا يقدرون على إضلال الإنس وإغوائهم بأنفسهم لأنه لا يقدر على الإجبار أحد إلا الله لأنه هو المتصرف في خلقه بما شاء فوجب أن يكون المعنى‏:‏ قد استكثرتم من الدعاء إلى الإضلال مع مصادفة القبول من الإنس ‏{‏وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض‏}‏ يعني استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن فأما استمتاع الإنس بالجن فقال الكلبي‏:‏ كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فنزل بأرض فقراء وخاف على نفسه من الجن قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جوارهم‏.‏

وأما استمتاع الجن بالإنس فهم أنهم قالوا سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون بذلك شرفاً في قومهم وعظماً في أنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس للجن، فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، وقيل‏:‏ استمتاع الإنس بالجن فيما كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات وأصناف الطيبات ويسهلونها عليهم واستمتاع الجن بالإنس هي طاعة الإنس للجن، فيما يأمرونهم به ويناقدون لحكمهم فصاروا كالرؤساء للإنس والإنس كالأتباع‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوله ربنا استمتع بعضها ببعض هو من كلام الإنس خاصة لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر نادر لا يكاد يظهر، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ظاهر فوجب حمل الكلام عليه ‏{‏وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا‏}‏ يعني أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة الندامة، قال الحسن والسدي‏:‏ لأجل الموت‏.‏ وقيل‏:‏ هو وقت البعث للحساب في يوم القيامة ‏{‏قال‏}‏ يعني قال الله لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجن والإنس ‏{‏النار مثواكم‏}‏ يعني أن النار مقامكم ومقركم فيه ومصيركم إليها ‏{‏خالدين فيها‏}‏ يعني مقيمين في نار جهنم أبداً ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ اختلفوا في معنى هذا الاستثناء فقيل‏:‏ معناه خالدين فيها إلا قدر مدة بعثهم ووقوفهم للحساب إلى حين دخولهم إلى النار فإن هذا الوقت ليسوا بخالدين فيه في النار، وقيل‏:‏ المراد من الاستثناء هو أوقات نقلتهم من عذاب إلى عذاب آخر وذلك أنهم يستغيثون من النار فينقلون إلى الزمهرير ثم يستغيثون منه فينقلون إلى النار فكانت مدة نقلتهم هي المراد من هذا الاستثناء‏.‏ ونقل جمهور المفسرين عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إن هذا الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجون من النار قالوا فعلى هذا التأويل تكون ما في قوله إلا ما شاء الله، بمعنى من يعني إلا ما شاء الله ونقل الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول هذا الاستثناء بأن الله عز وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، وقال في هذه الآية‏:‏ إنه لا يبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزلهم جنة ولا ناراً‏.‏

قال الزجاج‏:‏ والقول الأول أولى لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة لأن قوله‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم جميعاً‏}‏ هو يوم القيامة ثم قال ‏{‏خالدين فيها‏}‏ منذ يبعثون ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدة محاسبتهم‏.‏

‏{‏إن ربك حكيم‏}‏ يعني في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله‏.‏ وقيل حكيم فيما يفعله من ثواب الطائع وعقاب العاصي وفي سائر وجوه المجازاة ‏{‏عليهم‏}‏ يعني بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون كأنه قال إنما حكمت لهؤلاء الكفار بالخلود في النار، لعلمي بأنهم يستحقون ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 130‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏129‏)‏ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً‏}‏ الكاف في كذلك كاف التشبيه تقتضي شيئاً تقدم ذكره فالتقدير كما أنزلت العذاب بالجن والإنس الذين استمتع بعضهم ببعض كذلك نولي بعض الظالمين بعضاً أي نسلط بعضهم على بعض فنأخذ من الظالم بالظالم كما جاء في الأثر‏:‏ «من أعان ظالماً سلطه الله عليه» وقال قتادة‏:‏ نجعل بعضهم أولياء بعض فالمؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان والكافر ولي الكافر حيث كان وأين كان‏.‏ وفي رواية أخرى عن قتادة قال‏:‏ يتبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة، وقيل‏:‏ معناه نولي ظلمة الإنس الجن وظلمة الجن ظلمة الإنس يعني نكل بعضهم إلى بعض‏.‏ وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية وأن الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى عليهم خيارهم وإذا أراد بهم شراً ولي عليهم شرارهم فعلى هذا القول إن الرعية متى كانوا ظالمين سلط الله عز وجل عليهم ظالماً مثلهم فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظالم فليترك الظلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما كانوا يكسبون‏}‏ يعني يسلط عليهم من يظلمهم بسبب أعمالهم الخبيثة التي اكتسبوها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا معشر الجن والإنس‏}‏ المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر ‏{‏ألم يأتكم رسل منكم‏}‏ اختلف العلماء في معنى هذه الآية وهل كان من الجن رسل أم لا فذهب أكثر العلماء إلى أنه لم يكن من الجن رسول وإنما كانت الرسل من الإنس وأجابوا عن قوله رسل منكم يعني من أحدكم وهو الإنس فحذف المضاف فهو كقوله‏:‏ ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله ‏{‏مرج البحرين‏}‏ وهو جائز في كل ما اتفق في أصله فلذلك لما اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين وهم الإنس، وهذا قول الفراء والزجاج ذكر جمهور أهل العلم‏.‏ قال الواحدي‏:‏ وعليه دل كلام ابن عباس لأنه قال يريد أنبياء من جنسهم ولم يكن من جنس الجن أنبياء وذهب قوم إلى أنه أرسل إلى الجن رسلاً منهم كما أرسل إلى الإنس رسلاً منهم‏.‏ قال الضحاك‏:‏ من الجن رسل كما من الإنس رسل وظاهر الآية يدل على ذلك لأنه تعالى قال‏:‏ ‏{‏ألم يأتكم رسل منكم‏}‏ فخاطب الفريقين جميعاً وأجيب عن ذلك بأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم‏}‏ وهذا يقتضي كون الرسل بعضاً من أبعاض هذا المجموع وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضاً من أبعاض هذا المجموع وكان هذا القول أولى من حمل لفظ الآية على ظاهرها فثبت بذلك كون الرسل من الإنس لا من الجن، ويحتمل أيضاً أن يقال إن كافة الرسل كانوا من الإنس لكن الله تعالى يلقى الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل من الإنس ثم يأتوا قومهم من الجن فيخبروهم بما سمعوا من الرسل ينذرهم به كما قال تعالى‏:‏

‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏}‏- إلى- ‏{‏فلما قضى ولّوا إلى قومهم منذرين‏}‏ فكان أولئك النفر من الجن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم وهذا مذهب مجاهد فإنّ الرسل من الإنس والنذر من الجن ونحو ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة‏.‏ وقيل‏:‏ كانت الرسل يبعثون إلى الجن من الجن، ولكن بواسطة رسل الإنس والله أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقصون عليكم آياتي‏}‏ يعني يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي ‏{‏وينذرونكم لقاء يومكم هذا‏}‏ يعني ويحذرونكم ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة وذلك أن الله تعالى يقول يوم القيامة يوم لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع والتوبيخ ما أخبر في كتابه، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا معشر الجن والإنس‏}‏ الآية فيجيبون بما أخبر عنهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ يعني كفار الجن والإنس ‏{‏شهدنا على أنفسنا‏}‏ اعترفوا بأن الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذروهم لقاء يومهم هذا وأنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وغرتهم الحياة الدنيا‏}‏ إنما كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها‏:‏ ‏{‏وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏}‏ في الدنيا‏.‏

فإن قلت كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا الشرك والكفر في قوله‏:‏ ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ قلت‏:‏ يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة فإذا رأوا ما حصل للمؤمنين من الخير والفضل والكرامة أنكروا الشرك لعل ذلك الإنكار ينفعهم، وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فحينئذٍ يختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏}‏‏.‏

فإن قلت لما كرر شهادتهم على أنفسهم، قلت‏:‏ شهادتهم الأولى اعتراف منهم بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتكذيب الرسل وفي قوله‏:‏ ‏{‏وشهدوا على أنفسهم‏}‏ ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا ولذاتها فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والمقصود من شرح حالهم تحذير السامعين وضجر لهم عن الكفر والمعاصي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 134‏]‏

‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ‏(‏131‏)‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏132‏)‏ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ ‏(‏133‏)‏ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏134‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ و‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما تقدم ذكره من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وقال الزجاج‏:‏ معناه ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذبهم ‏{‏إن لم يكن ربك‏}‏ يعني لأنه لم يكن ربك ‏{‏مهلك القرى بظلم‏}‏ قال الكلبي‏:‏ معناه لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل فتنهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب، وهذا قول جمهور المفسرين قال الفراء‏:‏ يجوز أن يكون المعنى لم يكن ليهلكهم بظلم منه ‏{‏وأهلها غافلون‏}‏ أي‏:‏ وهم غافلون فعلى قول الجمهور‏:‏ يكون الظلم فعلاً للكفار وهو شركهم وذنوبهم التي عملوها، وعلى قول الفراء‏:‏ إنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل لكان ظالماً والله عز وجل يتعالى عن الظلم‏.‏

والقول الأول‏:‏ أصح، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، غير أنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل ولو فعل ذلك لم يكن ظلماً منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل درجات مما عملوا‏}‏ يعني ولكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات، يعني منازل يبلغها بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر‏.‏

وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج وهذا إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا فمنهم من هو أعظم ثواباً ومنهم من هو أشد عقاباً، وهو قول جمهور المفسرين وقيل‏:‏ إن قوله تعالى ‏{‏ولكل درجات مما عملوا‏}‏، مختص بأهل الطاعة لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ربك بغافل عما يعملون‏}‏ مختص بأهل الكفر والمعاصي ففيه وعيد وتهديد لهم‏.‏

والقول الأول أصح، لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات فيدخر فيه المؤمن والكافر والطائع والعاصي وأنه عالم بأعمالهم على التفصيل التام فيجزي كل عامل على قدر عمله وما يليق به من ثواب أو عقاب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وربك الغني‏}‏ يعني عن خلقه وذلك أنه تعالى لما بيَّن أن لكل عامل بطاعة أو معصية درجة على قدر عمله بين أن تخصيص المطيعين بالثواب والعاصين بالعقاب ليس لأنه محتاج إلى طاعة المطيع أو منتقص بمعصية العاصي بل هو الغني على الإطلاق وأن جميع الخلق فقراء إليه ‏{‏ذو الرحمة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يتوبون ويرجعون ‏{‏إن يشأ يذهبكم‏}‏ يعني يهلككم‏.‏ الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم ‏{‏ويستخلف‏}‏ يعني وينشئ ويخلق ‏{‏من بعدكم‏}‏ يعني من بعد إهلاككم ‏{‏ما يشاء‏}‏ يعني خلقاً غيركم أمثل وأطوع منكم ‏{‏كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين‏}‏ اختلف عبارات المفسرين في هذه اللفظة فقال البغوي‏:‏ يعني آباءهم الماضين قرناً بعد قرن، ونحوه قال الواحدي وصاحب الكشاف‏:‏ يعني من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام‏.‏

وقال الإمام فخر الدين الرازي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستخلف من بعدكم‏}‏ يعني من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت‏.‏

وأما قوله ‏{‏ما يشاء‏}‏ فالمراد منه خلق ثالث أو رابع واختلفوا فيه، فقال بعضهم‏:‏ خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهو الوجه الأقرب لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى كمل خلق ثالث ورابع أقوى في دلالة القدرة فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي الثواب فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء الأقوام الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل منهم سواهم ثم بيَّن الله تعالى قوة قدرته على ذلك فقال‏:‏ ‏{‏كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين‏}‏ لأن المرء إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة وإذا كان كذلك فكما قدر على تصوير هذه الأجسام بهذه الخاصة فكذلك يقدر على تصويرهم خلقاً آخر مخالفاً لها هذا آخر كلامه‏.‏ وقال الطبري في قوله ‏{‏كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين‏}‏ يقول كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم ومعنى من في هذا الموضع التعقيب كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوباً يعني مكان الدينار ثوباً لا أن الثوب من الدينار بعض‏.‏ كذلك الذين خوطبوا بقوله ‏{‏كما أنشأكم‏}‏ لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ولكن معنى ذلك ما ذكرنا أنهم أنشئوا مكان قوم آخرين قد أهلكوا قبلهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ما توعدون‏}‏ به من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة ‏{‏لآت‏}‏ يعني أنه كائن قريب ‏{‏وما أنتم بمعجزين‏}‏ يعني بفائتين حيثما كنتم يدرككم الموت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏135- 137‏]‏

‏{‏قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏135‏)‏ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏136‏)‏ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏137‏)‏‏}‏

‏{‏قل‏}‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد ‏{‏يا قوم‏}‏ أي قل لقومك من كفار قريش ‏{‏اعملوا على مكانتكم‏}‏ وقرئ مكاناتكم على الجمع والمكانة تكون مصدراً يقال‏:‏ مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة كما يقال مقام ومقامة فقوله اعملوا على مكانتكم يحتمل أن يكون معناه اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ويحتمل أن يكون معناه اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها كما يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة‏:‏ مكانتك يا فلان أي أثبت على ما أنت عليه لا تتغير عنه‏.‏ وقال ابن عباس معناه اعملوا على ناحيتكم ‏{‏إني عامل‏}‏ يعني إني عامل على مكانتي التي أنا عليها وما أمرني به ربي والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة فإني ثابت على الإسلام والمصابرة‏.‏

فإن قلت ظاهر الآية يدل على أمر الكفار بالإقامة على ما هم عليه من الكفر وذلك لا يجوز‏.‏

قلت‏:‏ معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه من الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ ففيه تفويض أمر العمل إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من الكفر والمعاصي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسوف تعلمون‏}‏ يعني لمن العاقبة المحمودة لنا أو لكم‏.‏ وقيل معناه فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم أينا كان على الحق في عمله نحن أم أنتم ‏{‏من تكون له عاقبة الدار‏}‏ يعني فسوف تعلمون غداً القيامة لمن تكون عاقبة الدار وهي الجنة ‏{‏إنه لا يفلح الظالمون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه أنه لا يسعد من كفر بي وأشرك‏.‏ ثم في هذه الآية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهما محكمة وهذا على قول من يقول إن المراد بقوله اعملوا على مكانتكم الوعيد التهديد‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها منسوخة بآية السيف وهذا على قول من يقول إن المراد بها ترك القتال‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ الآية لما بين الله عز وجل قبح طريقه الكفار وما كانوا عليه من إنكار البعث وغير ذلك عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم وأحكامهم الفاسدة تنبيهاً على ضعف عقولهم وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا لله مما ذرأ‏}‏ يعني مما خلق من الحرث يعني الزرع والثمر والأنعام، يعني ومن الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم نصيباً يعني قسماً وجزءاً‏.‏ قال المفسرون‏:‏ كان المشركون في الجاهلية يجعلون لله من حروثهم وثمارهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيباً وللأصنام نصيباً فما جعلوه من ذلك لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه عليها وعلى خدمتها فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا‏:‏ إن الله غني عن هذا وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان‏.‏

وقالوا‏:‏ إنها محتاجة إليه‏.‏ وكانوا إذا هلك شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به وإذا انتقص شيء مما جعلوه للأوثان جبروه مما جعلوه لله فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ وفيه اختصار تقديره وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً وللأصنام نصيباً ‏{‏فقالوا هذا لله بزعمهم‏}‏ يعني قولهم الذي هو بغير حقيقة لأن معنى زعم حكاية قول يكون مظنة الكذب ولذلك لا يجيء إلا في موضع ذم لقائليه وإنما نسبوا إلى الكذب في قولهم هذا الله بزعمهم وإن كانت الأشياء كلها لله لإضافتهم نصيب الأصنام مع نصيب الله وهو قولهم‏:‏ ‏{‏وهذا لشركائنا‏}‏ يعني الأصنام وإنما سموا الأصنام شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونه عليها‏:‏ ‏{‏فما كان لشركائهم‏}‏ يعني وما جعلوا لها من الحرث والأنعام ‏{‏فلا يصل إلى الله‏}‏ يعني فلا يعطونه المساكين ولا ينفقونه على الضيفان ‏{‏وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم‏}‏ والمعنى أنهم كانوا يقرون ما جعلوه للأصنام مما جعلوه لله ولا يقرون ما جعلوه لله مما جعلوه للأصنام، وقال قتادة‏:‏ كانوا إذا أصابتهم سنة قحط وشدة استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا مما جعلوه لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئاً‏.‏ وقال الحسن والسدي‏:‏ كانوا إذا هلك ما جعلوا لشركائهم أخذوا بدله مما جعلوه لله ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه لشركائهم فلذلك ذمهم الله تعالى فقال‏:‏ ‏{‏ساء ما يحكمون‏}‏ يعني‏:‏ بئس ما يحكمون ويقضون وذلك أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب الله تعالى في الرعاية والحفظ وهذا سفه منهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الأشياء كلها لله عز وجل وهو خلقها فلما جعلوا للأصنام جزءاً من المال وهي لا تملك ولا تخلق ولا تضر ولا تنفع نسبوا إلى الإساءة في الحكم والمقصود من ذلك بيان ما كانوا عليه في الجاهلية من هذه الأحكام الفاسدة التي لم يرد بها شرع ولا نص ولا يحسنها عقل‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وكذلك‏}‏ عطف على قوله ‏{‏وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ يعني كما فعلوا ذلك جهلاً منهم كذلك زين لكثير منهم قتل أولادهم شركاؤهم‏.‏ والمعنى أن جعلهم لله نصيباً من أموالهم ولشركائهم على قتل أولادهم في نهاية الجهالة أيضاً فكأنه قال ومثل ذلك الذي فعلوه في القسم جهلاً وخطأ وضلالاً كذلك ‏{‏زين‏}‏ يعني حسَّن ‏{‏لكثير من المشركين قتل أولادهم‏}‏ يعني به وأد البنات أحياء مخافة الفقر والعيلة ‏{‏شركاؤهم‏}‏ يعني شياطينهم أمروهم أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر وسميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من معصية الله وقتل الأولاد فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم وأضيف الشركاء إلى المشركين لأنهم أطاعوهم واتخذوهم أرباباً، وقال الكلبي‏:‏ شركاؤهم سدنة آلهتهم يعني خدامها وهم الذين كانوا يزينون ويحسنون للكفار قتل الأولاد وكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن آخرهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله فعلى هذا القول، الشركاء هم السدنة وخدام الأصنام سموا شركاء لأنهم أشركوهم في الطاعة ‏{‏ليردوهم‏}‏ يعني ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به‏.‏

والإرداء في اللغة‏:‏ الإهلاك‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ليردوهم في النار ‏{‏وليلبسوا عليهم دينهم‏}‏ يعني وليخلطوا عليهم دينهم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل عليه السلام فرجعوا عنه بتلبيس الشياطين، وإنما فعلوا ذلك ليزيلهم عن الدين الحق الذي كان عليه إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأوضاع الفاسدة وزينوها لهم ‏{‏ولو شاء الله ما فعلوه‏}‏ يعني ولو شاء الله لعصمهم من ذلك الفعل القبيح الذي زين لهم من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد أخبر الله عز وجلّ أن جمع الأشياء بمشيئته وإرادته إذ لو لم يشأ ما فعلوا ذلك ‏{‏فذرهم‏}‏ يعني فاتركهم يا محمد ‏{‏وما يفترون‏}‏ يعني وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله لهم بالمرصاد‏.‏